محمد بن جرير الطبري

130

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

في الجسد الطيب ، ادخلي حميدة ، وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان فيقال لها ذلك حتى تنتهي إلى السماء التي فيها الله . وإذا كان الرجل السوء قال : أخرجي أيتها النفس كانت في الجسد الخبيث ، أخرجي ذميمة ، وأبشري بحميم وغساق وآخر من شكله أزواج فيقولون ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء ، فيستفتح لها ، فيقال : من هذا ؟ فيقولون : فلان ، فيقولون : لا مرحبا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث ، ارجعي ذميمة فإنه لا تفتح لك أبواب السماء فترسل بين السماء والأرض فتصير إلى القبر " . حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، قال : ثنا ابن أبي فديك ، قال : ثني ابن أبي ذئب ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، عن سعيد بن يسار ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الكوفة : " لا يفتح لهم أبواب السماء " بالياء من يفتح وتخفيف التاء منها ، بمعنى : لا يفتح لهم جميعها بمرة واحدة وفتحة واحدة . وقرأ ذلك بعض المدنيين وبعض الكوفيين : لا تُفَتَّحُ بالتاء وتشديد التاء الثانية ، بمعنى : لا يفتح لهم باب بعد باب وشيء بعد شيء . قال أبو جعفر : والصواب في ذلك عندي من القول أن يقال : إنهما قراءتان مشهورتان صحيحتا المعنى ، وذلك أن أرواح الكفار لا تفتح لها ولا لأعمالهم الخبيثة أبواب السماء بمرة واحدة ولا مرة بعد مرة وباب بعد باب ، فكلا المعنيين في ذلك صحيح ، وكذلك الياء والتاء في يفتح وتفتح ، لأن الياء بناء على فعل الواحد للتوحيد والتاء ، لأن الأبواب جماعة ، فيخبر عنها خبر الجماعة . القول في تأويل قوله تعالى : وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ يقول جل ثناؤه : ولا يدخل هؤلاء الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها الجنة التي أعدها الله لأوليائه المؤمنين أبدا ، كما لا يلج الجمل في سم الخياط أبدا ، وذلك ثقب الإبرة . وكل ثقب في عين أو أنف أو غير ذلك ، فإن العرب تسميه سما وتجمعه سموما وسماما ، والسمام في جمع السم القاتل أشهر وأفصح من السموم ، وهو في جمع السم الذي هو بمعنى الثقب أفصح ، وكلاهما في العرب مستفيض ، وقد يقال لواحد السموم التي هي الثقوب : سم وسم بفتح السين وضمها ، ومن السم الذي بمعنى الثقب قول الفرزدق : فنست عن سميه حتى تنفسا * وقلت له لا تخش شيئا وراءنا يعني بسميه : ثقبي أنفه . وأما الخياط : فإنه المخيط وهي الإبرة ، قيل لها : خياط ومخيط ، كما قيل : قناع ومقنع ، وإزار ومئزر ، وقرام وملوم ، ولحاف وملحف . وأما القراء من جميع الأمصار ، فإنها قرأت قوله : فِي سَمِّ الْخِياطِ بفتح السين ، وأجمعت على قراءة " الجمل " بفتح الجيم والميم وتخفيف ذلك . وأما ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير ، فإنه حكي عنهم أنهم كانوا يقرءون ذلك : " الجمل " بضم الجيم وتشديد الميم ، على اختلاف في ذلك عن سعيد وابن عباس . فأما الذين قرءوه بالفتح من الحرفين والتخفيف ، فإنهم وجهوا تأويله إلى الجمل المعروف وكذلك فسروه . ذكر من قال ذلك : حدثنا يحيى بن طلحة اليربوعي ، قال : ثنا فضيل بن عياض ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، عن عبد الله في قوله : حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ قال : الجمل : ابن الناقة ، أو زوجا لناقة . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن أبي حصين ، عن إبراهيم ، عن عبد الله : حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ قال : الجمل : زوج الناقة . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن أبي حصين ، عن إبراهيم ، عن عبد الله ، مثله . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا ابن مهدي ، عن هشيم ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، عن عبد الله ، قال : الجمل : زوج الناقة . حدثني المثنى ، قال : ثنا عمرو بن عون ، قال : أخبرنا هشيم ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، عن عبد الله مثله . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا قرة ، قال : سمعت الحسن يقول : الجمل الذي يقوم في المربد .